محمد بن جرير الطبري
46
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
ولم تحل لي إلا هذه الساعة ، غضبا علي أهلها . ألا فهي قد رجعت على حالها بالأمس . ألا ليبلغ الشاهد الغائب ، فمن قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل بها ! فقولوا : إن الله قد أحلها لرسوله ولم يُحِلَّها لك " . ( 1 ) 2028 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان - وحدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير - جميعا ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لمكة حين افتتحها : " هذه حرم حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض ، وخلق الشمس والقمر ، ووضع هذين الأخشبين ، لم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ، أُحِلَّت لي ساعة من نهار . ( 2 ) * * *
--> ( 1 ) الحديث : 2027 - هذا مختصر من حديث صحيح مطول : فرواه أحمد في المسند : 16448 ( ج 4 ص 32 حلبي ) ، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن محمد بن إسحاق ، بهذا الإسناد . ورواية ابن إسحاق ثابتة أيضًا - مطولة - في سيرة ابن هشام 4 : 57 - 58 ( حلبي ) ، و 823 - 824 أوربة ، 2 : 277 - 278 ( من الروض الأنف ) . ورواه أيضًا ، بنحوه ، أحمد : 16444 ( ج 4 ص 31 ) ، والبخاري 1 : 176 - 177 ، و 4 : 35 - 39 ( فتح ) ، ومسلم 1 : 383 - 384 كلهم من طريق الليث بن سعد ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي شريح . وقوله في الحديث : " أو يعضد بها شجرا " ، أي يقطعه ، يقال " عضد الشجر " ، من باب " ضرب " قطعه . وقوله : " غضبا على أهلها " : هذا هو الصحيح الثابت في رواية ابن إسحاق ، في المسند ، وسيرة ابن هشام ، وفي المطبوعة : " عصى على أهلها " . وهو تصحيف . ( 2 ) الحديث : 2028 - هذا الحديث رواه الطبري بإسنادين ، عن ثلاثة شيوخ : فرواه عن أبي كريب محمد بن العلاء ، عن عبد الرحيم بن سليمان الرازي . ثم رواه عن ابن حميد - وهو محمد بن حميد الرازي ، وعن ابن وكيع - وهو سفيان بن وكيع ، كلاهما : أعني ابن حميد وابن وكيع ، عن جرير بن عبد الحميد الضبي . ثم يجتمع الإسنادان : فيرويه عبد الرحيم بن سليمان وجرير بن عبد الحميد " جميعا عن يزيد بن أبي زياد " . وهذه الأسانيد ظاهرها الصحة ، وإن كان سفيان بن وكيع ضعيفا ، كما بينا في : 1692 - فإن الطبري لم يفرده بالرواية عنه ، بل قرن به محمد الرازي ، وهو ثقة - إلا أن في الحديث انقطاعا ، بين مجاهد وابن عباس . وقد سمع مجاهد من ابن عباس حديثا كثيرا ، ولكن هذا الحديث بعينه رواه " عن طاوس عن ابن عباس " . و " يزيد بن أبي زياد الكوفي مولى بني هاشم " : صدوق ، في حفظه شيء بعد ما كبر ، قال ابن سعد 6 : 237 " كان ثقة في نفسه ، إلا أنه اختلط في آخر عمره ، فجاء بالعجائب " . وقال يعقوب بن سفيان : " ويزيد - وإن كانوا يتكلمون فيه لتغييره - فهو على العدالة والثقة ، وإن لم يكن مثل الحكم ومنصور " . وهو مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 2 / 334 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 265 . فلعله وهم في حذف " طاوس " بين مجاهد وابن عباس . والحديث في ذاته صحيح . فرواه أحمد بنحوه مطولا : 2353 ، 2898 ، من طريق منصور بن المعتمر ، عن مجاهد ، عن طاوس ، عن ابن عباس . وكذلك رواه البخاري 4 : 40 - 42 ، ومسلم 1 : 383 ، من طريق منصور . ومنصور بن المعتمر : سبق توثيقه 177 . وهو أثبت حفظا من مئة مثل يزيد بن أبي زياد . بل قال يحيى القطان : " ما أحد أثبت عن مجاهد وإبراهيم - من منصور " . وقدمه الأئمة - في الحفظ - على الأعمش والحكم . بل إن هذا الحديث نفسه : ذكر الحافظ في الفتح أنه رواه الأعمش عن مجاهد عن النبي صلى الله عليه وسلم - مرسلا ، يعني بحذف طاوس وابن عباس ، ثم قال : " ومنصور ثقة حافظ ، فالحكم لوصله " . أي أن هذه الزيادة زيادة ثقة ، يجب قبولها والحكم لها بالترجيح . وقوله في هذه الرواية : " ووضع هذين الأخشبين " . هذه الزيادة لم أجدها في شيء من الروايات الأخر . و " الأخشبان " ، بلفظ التثنية : هما جبلا مكة المطيفان بها . انظر النهاية لابن الأثير ، ومعجم البلدان لياقوت .